يبدو عالمنا كما لو كان يتهيأ تدريجياً لـزمن الذكاء الاصطناعي حيث يسود الحديث حول تأثير الأخير على مختلف المجالات سواء كانت الصناعية أو الطبية وسط جدل كبير حول وجود مبالغات في تقييم تأثير الذكاء الاصطناعي على مختلف الأنشطة.
ليست سوق الأسهم ببعيدة عن ذلك إذ يتزايد اعتماد المؤسسات المالية وكذلك الأفراد بشكل مضطرد على الذكاء الاصطناعي ولكن بشكل متباين في طريقة استخدام كليهما لهذه الأداة التي تغير شكل الأسواق
فأسواق المال تتجه نحو حقبة تهيمن عليها الخوارزميات حيث يسعى كل من المستثمرين الأفراد والمؤسسات الكبرى لتوظيف الذكاء الاصطناعي كأداة لفهم السوق وتوقع تحركاته وعلى الرغم من هذا الإقبال المتزايد من قبل الأفراد إلا أن هناك فجوة عميقة تفصلهم عن المؤسسات المالية الكبرى وصناديق التحوط إذ تعتمد المؤسسات على بنية تحتية فائقة التعقيد تمنحها ما يسمى بـالميزة التنافسية ففي الوقت الذي يعتمد فيه الأفراد في أغلبيتهم العظمى على الذكاء الاصطناعي المفتوح
وكشفت تقارير أن صناديق التحوط المعتمدة على الذكاء الاصطناعي حققت عائداً متوسطاً قدره 8.93% في عام 2022 في وقت كان فيه متوسط أداء صناديق التحوط التقليدية يسجل خسارة بنسبة %4.2
وتشير دراسة إلى أن معظم الاستراتيجيات الفردية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي تفشل في التغلب على السوق على المدى الطويل بسبب محدودية نماذج التعلم التي تستخدمها وكونها في أغلبها نماذج عامة مثل "جيميناي" أو "تشات جي بي تي".
وكذلك تبرز سرعة التنفيذ كفارق جوهري، إذ يسيطر التداول عالي التردد المدعوم بالذكاء الاصطناعي على ما يقرب من 60-70% من حجم التداول في بورصة نيويورك حيث يمكن للأنظمة المؤسسية تنفيذ الصفقات في جزء من الميكروثانية بينما يظل تداول الأفراد يدوياً أو شبه آلي يستغرق دقائق أو ساعات.
ويجب ملاحظة أن هذا التفوق ليس تقنياً فحسب بل هو من حيث الكوادر والمصادر أيضاً حيث يتجاوز راتب خبير تعلم الآلة في صندوق تحوط كبير 250 ألف دولار سنوياً مما يضمن للمؤسسات استقطاب أذكى العقول لتطوير خوارزميات التعلم المعزز التي تفتقر إليها استراتيجيات الأفراد.
يمكن القول إن التنافس بين الأفراد والمؤسسات في مجال استخدام الذكاء الاصطناعي يشبه سباقاً بين سيارتين إحداهما عائلية عادية، والأخرى "فائقة" متخصصة في تحقيق سرعات قياسية.